عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي

259

الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل

والصفات في عين الواحدية كل واحدة منهن لها معنى الثاني ، فالمنعم وهو المنتقم ، فإذا ظهرت الأسماء في المرتبة الإلهية لا يفيد كل اسم إلا ما اقتضته حقيقته فالمنعم ضد المنتقم ، فالنار في الطبائع مظهر الواحدية في الأسماء ، فلما انتشقت مشام أرواح المجوس لعطر هذا المسك زكمت عن شمّ سواه ، فعبدوا النار وما عبدوا إلا الواحد القهار . وأما الدهرية فإنهم عبدوه من حيث الهوية ، فقال عليه الصلاة والسلام : « لا تسبوا الدهر فإن اللّه هو الدهر » « 1 » . وأما البراهمة فإنهم يعبدون اللّه مطلقا لا من حيث نبيّ ولا من حيث رسول ، بل يقولون إن ما في الوجود شيء إلا وهو مخلوق للّه ، فهم مقرّون بوحدانية اللّه تعالى في الوجود ، لكنهم ينكرون الأنبياء والرسل مطلقا ، فعبادتهم للحقّ نوع من عبادة الرسل قبل الإرسال ، وهم يزعمون أنهم أولاد إبراهيم عليه الصلاة والسلام ، ويقولون إن عندهم كتابا كتبه لهم إبراهيم الخليل عليه السلام من نفسه من غير أن يقولوا إنه من عند ربه ، فيه ذكر الحقائق وهو خمسة أجزاء ، فأما الأربعة أجزاء فإنهم يبيحون قراءتها لكل أحد ، وأما الجزء الخامس فإنهم لا يبيحون إلا للآحاد منهم لبعد غوره ، وقد اشتهر بينهم أن من قرأ الجزء الخامس من كتابهم لا بد أن يؤول أمره إلى الإسلام فيدخل في دين محمد صلّى اللّه عليه وسلم ، وهذه طائفة أكثر من يوجدون ببلاد الهند ، وثم ناس يتزيون بزيهم ويدعون أنهم براهمة وليسوا منهم ، وهم معروفون بينهم بعبادة الوثن ، فمن عبد منهم الوثن فلا يعدّ من هذه الطائفة عندهم ، وكل هذه الأجناس السابق ذكرها لما ابتدعوا هذه التعبدات من أنفسهم كانت سببا لشقاوتهم ، ولو آل بهم الأمر إلى السعادة فإن الشقاوة ليست إلا ذلك البعد الذي يثبتون فيه قبل ظهور السعادة فهي الشقاوة فافهم . وأما من عبد اللّه على القانون الذي أمره به نبيه كائنا من كان من الأنبياء فإنه لا يشقى ، بل سعادته مستمرة تظهر شيئا فشيئا ، فكان ذلك الشيء سببا لشقاوتهم ، وهم في الشقاوة على قدر مخالفتهم لأوامر اللّه تعالى وسعادتهم على قدر موافقتهم كتابه تعالى ، فإن الحق لم يرسل نبيا ولا رسولا إلى أمة إلا وجعل في رسالته سعادة من تبعه منهم . وأما اليهود فإنهم يتعبدون بتوحيد اللّه تعالى ثم بالصلاة في كل يوم مرتين ،

--> ( 1 ) مسلم في : الألفاظ من الأدب ( 5 ) ، وأحمد 2 / 395 ، والبيهقي 3 / 365 .